All Issues

Print

توظيف علامات الترقيم في النصوص الساخرة: دراسة سيميائيّة

Updated on

 

 

توظيف علامات الترقيم في النصوص الساخرة: دراسة سيميائيّة

دانة عوض

 الجامعة اللبنانيّة[1]

مقدمه

إنّ لاستخدام علامات الترقيم في الأدب العربي وظائف شاسعة وغنيّة وهي لا تحاكي الوظائف التي نجدها في كتب الإملاء والترقيم، حيث إنّ وظائف علامات الترقيم في تلك الأخيرة “مختصرة” إلى أربع أو خمس وظائف كحدّ أقصى لكلّ علامة. بعض الأدباء يستخدمون علامات الترقيم وفق وظائفها المعروفة، بينما آخرون يستخدمونها استخداماً فرديّاً لإيصال معنى معيّن… فكيف للقارئ أن يفهم هذا المعنى رغم محدوديّة وظائف علامات الترقيم المتعارفة في اللّغة العربيّة، خصوصاً إذا كانت الوظائف غير المتعارفة وظائف ذات طبيعة دلاليّة لا نحويّة. وبما أنّ الأدب  ذو منحى تواصليّ بين الكاتب والقارئ، فسوف نحاول الإجابة عن السؤال عن طريق آليّة التحليل السيميائي لعلامات الترقيم. ولقد اعتمدنا في دراستنا على النّصوص ذات الطّبيعة الساخرة لأنّ فيها أساليب بلاغيّة تهدف إلى التأثير في القارئ.

يهدف هذا البحث إلى تقديم دراسة تحليليّة عن توظيف علامات الترقيم في السخرية باللّغة العربيّة في  الأدب العربي الساخر من مقالات وروايات. إنّ تحليل استخدام علامات الترقيم في النصوص الساخرة مختلف لأسباب عديدة منها:

– إنّ النصّ الساخر بطبيعته نصّ فيه معانٍ مبطّنة، حيث إنّ المفارقة الساخرة لا تكمن في المعنى الحقيقي للكلمات. ممّا يعطي علامات الترقيم المستخدمة فيه دلالات تبيّن المعنى المبطّن أو نقيض المعنى (التهكّم)، قد لا تكون موجودة في النصوص الأخرى. وبساطة النصّ الساخر تجعل جمله بعيدة عن الجمل المركّبة، فنرى معظم النصوص العربية الساخرة عبارة عن جمل قصيرة أو أشباه جمل تفصل فيما بينها باستخدام علامات ترقيم. فربط الجمل ببعضها في النص الساخر مختلف عن ربط الجمل وأجزاء الجمل في النصوص الأخرى.

– بعض كتّاب النص الساخر يستعينون بعلامة ترقيم واحدة أو اثنتين لترقيم العمل كاملاً (مثل أنيس منصور وجمال الغيطاني)، حيث تصبح كلّ علامة شبيهة بما يعرف باللّفظة المتجانسة، حيث تصبح علامة الترقيم المستخدمة كعدّة علامات تكتب بالشكل نفسه لكن لكلّ منها مدلول مختلف. وسوف نأخذ كتابات أنيس منصور كمثال على هذا النوع من النصوص. حيث يستخدم ثلاث علامات لترقيم نصوصه الساخرة: النقطة، النقطتين المتجاورتين، ونقاط الحذف، ولكن للنقطة عند أنيس منصور مدلولاً مختلفاً في كلّ مرّة.

هذا العمل مقسّم إلى ثلاثة أجزاء:

– معنى السخرية وأنواع النّصوص العربيّة الساخرة؛

– أهمية التحليل السيميائي لعلامات الترقيم وآليّة التحليل السيميائي المتّبعة؛

– تحليل استخدام علامات الترقيم في النصوص المختارة.

يستعين هذا البحث بأعمال لكتّاب الأدب الساخر الحديث في القرن العشرين: إبراهيم المازني وأنيس منصور، كما يستعين أيضاً بأعمال الكاتب توفيق الحكيم، الذي له كتابات ساخرة وأخرى غير ساخرة، وذلك لإعطاء شموليّة لبحثنا ولنرى الاختلافات في ترقيمه لأنواع كتاباته المختلفة، وما إذا كان يرقّم كتاباته الساخرة وغير الساخرة بنفس الطريقة.

  1. الأعمال ذات الصلة

إنّ الدراسات التي أجريت عن استخدامات علامات الترقيم عند كاتب معيّن أو لجنس أدبي معيّن تعتمد على المرجعيّة السيميائّية. ففي الدراسة التي أجرتها ماريون كولاس-بلاس (1998) عن ترقيم الكاتب الفرنسي ميشيل بوتور كتابه La modification، اعتمد الباحث على المرجعية السيميائيّة والمرجعيّة القيميّة axiologie حسب جريماس وعلى نظريّات فونتاي وزيلبيربيرغ عن كيفيّة مساهمة علامات الترقيم في صيرورة العلامات semiosis وفي إنتاج المعنى وإدراكه (الترقيم النصيّ)، وكيف تتفاعل قيمة كلّ علامة ترقيم في النصّ لخلق ديناميّة خطابيّة. أمّا فيما يخص التحليل السيميائي للنصوص العربيّة، هناك أعمال حلّلت استخدام علامات الترقيم والعلامات الطّباعيّة في الشّعر العربيّ؛ مثل تحليل مالك مسلماوي للبياض في شعر عصام عيّاد. يرى مسلماوي أنّ قصيدة النثر تتكوّن من حيّزين: السّواد المتمثّل في الكلمات، والفضاء المتمثّل في البياض. ويرى مسلماوي في تحليله أنّ حيّز الفضاء موجود بشكل أوسع في شعر عصام عيّاد ممّا يعطي مجالاً للقارئ لتبيان الدلالات المخفيّة للنصّ، فيترك الشاعر “الحريّة الكافية للمتلقي في إغناء النصّ وكشف مدياته ودلالاته وتداعياته، بينما يكتفي الشاعر بتسليط حزمة الضوء على شيءٍ ما.” (مسلماوي، 2014، ص. 36). وجديرٌ بالذكر أنّ هناك دراسات عن استخدام علامات الترقيم في الأعمال الشعريّة دون مقاربتها سيميائيّاً؛ من مثل مقال “جماليّات الأساليب البصريّة في شعر عدنان الصائغ” (مجلّة دراسات في اللّغة العربيّة وآدابها، 2015). يرى الباحثون في هذا المقال أنّ الشاعر يوظّف علامات الترقيم للبوح بمشاعره التي لا يستطيع التعبير عنها باستخدام الكلمات؛ وهم يشبّهون علامات الترقيم بالكولاج لأنّها، على الرغم من كونها منفصلة عن النص، تغيّر في تفاصيله لتضفي عليه معانٍ جديدة. “فالكولاج فنّ من الفنون البصريّة التي يسعى الشاعر فيها جاهداً إلى إلقاء نوع من الجمال من خلال إيجاد نوع من التوازن بين الشكل والمضمون في العمل الأدبي.” (بلاوي؛ خضري؛ آبكون، 2015، ص 32) ويقسّم الباحثون علامات الترقيم إلى “علامات ترقيميّة”، وهي علامات الترقيم ما عدا النقطة؛ ويعبّر الكاتب من خلالها عن مشاعره المختلفة من حزن، يأس أو حيرة، و”التنقيط” وهي النقاط على أنواعها (النقطة، نقاط الحذف، والنقط المتجاورة)؛ وتعبّر عن الصمت الذي قد يكون دالّاً إمّا على معانٍ مبطّنة عند الشاعر أو على السكوت.

أمّا بالنسبة للرّوايات العربيّة، كان التحليل السيميائي لها تحليلاً للكلمات أو الجمل دون ذكر دور علامات الترقيم في التحليل، ففي الدراسة التي قام بها الباحث عبد المجيد العابد (2010) على رواية نجيب محفوظ “اللّص والكلاب”، تحدّث عن معمار النصّ “منظوراً إليه من وجهة نظر سيميائيّة سرديّة، يحدّد باعتباره تركيباً للنصّ، أي بوصفه لوحة تنتظم فيها المعطيات البصريّة، والمعطيات اللّسانيّة، بشكل يجعل اندماج النسقين اللّفظي والبصري أمراً وارداً ومهمّاً في بناء النّسق الدّلاليّ العام” (العابد، 2010). الدلالة العامّة في رواية اللّص والكلاب هي القتل، ويحلّل العابد في البدء صورة الغلاف سيميائيّاً حسب نظريّة تحليل الصورة عند رولان بارت، ثمّ يحلّل النصّ الروائي من وجهة نظر السيميائيّة السرديّة لجريماس من خلال تقطيعه للنصّ إلى مقطع استهلاليّ، وسطيّ ونهائيّ؛ ومن ثمّ يتحدّث عن المسار التوليديّ للنصّ لشرح كيفيّة بناء المعنى والوصول بالدلالات إلى الدلالة العامّة من خلال تحليله لبنية الممثّلين، ومستوى التفضيء (المكان) ومستوى التزمين (الزّمان). ولم يذكر العابد ما إذا كان لعلامات الترقيم في النصّ دور في بناء المعنى.

إنّ المراجع التي عثرنا عليها والتي تتحدّث عن التحليل السيميائي للسخرية كانت تحليلاً للكلمات الساخرة وللنص الساخر باعتباره نصّاً سرديّاً، عبد المجيد العابد في مقاله “سيميائيّات العلامات السّاخرة في الخطاب الرّوائيّ” (2009) يدرس آليّات البناء السّاخر في الرّواية (دون ذكر دور علامات الترقيم في هذا البناء) حيث يرى الكاتب أنّه كون السّخرية عمليّة تواصل تكمن في المعنى غير المباشر للكلام، فأيّ نمط سرديّ قد يحمل فيه سخرية حسب طبيعة النصّ المكتوب، والسخرية في نظره ليست مباشرة بل تترك “أثر فعل ساخر”. ويشرح كيف تنتقل الكلمات والعبارات من المعنى المباشر إلى المعنى السّخري، وهو يسمّي هذه العمليّة “تسخير” العلامة ironisation du signe[2]، ويمكننا مقاربة “تسخير” العلامة بما يطلق عليه أمبرتو إكو “تداوليّة الأقوال”؛ حيث يرى إيكو أنّ الفعل اللّغويّ ذو طبيعتين: طبيعة دلاليّة تكمن في دلالة الوحدة السيميائيّة وطبيعة تداوليّة تهدف لإنتاج عمليّة تواصل، أو يمكننا في حالة العلامات الساخرة أن نقول أنّها تهدف لإنتاج ردّ فعل. ويمكننا فهم الوقع السّخري للعلامة من خلال السّياق، الذّي هو، عند حديثنا عن علامات الترقيم الساخرة، إمّا أن يكون نمط لغويّ ساخر أو أسلوب لغويّ ساخر؛ حيث أنّ “المقابلة بين تداوليّة الأقوال ودلالة الوحدات السيميائيّة تعني تحويل الاهتمام من أنظمة الدّلالة إلى عمليّات التواصل ولكنّ المنظوران يتكاملان. لا يمكن التفكير بالعلامة من دون مراعاة ما يميّز حضورها في السياق،…” (إيكو، ترجمة الصمعي، 2005، ص 62)، وسوف نستخدم تعبير “تسخير العلامة” لاحقاً في تحليلنا لعلامات الترقيم.

أحد الأعمال التي تتحدّث عن التحليل السيميائي للسخرية (دون ذكر علامات الترقيم) هو عمل ماريك فينلاي عن سيميائيّة السخرية (1988)، وهو يحاول بكتابه، مستعيناً بالنظريّات السيميائيّة والبراجماتيّة، خلق نموذج سيميائي عام للتواصل الساخر (كتابيّاً) وخلق مجموعة من الأنساق والصيغ الساخرة بالاستعانة بالأدوات السيميائيّة والبلاغيّة التّي تصل بنا إلى التعبير السّاخر[3]، ونعتقد أنّ الكاتب يحاول خلق صيغ وأساليب ساخرة ليعتمدها الكتّاب وهو ما نظنّ أنّه غير منطقيّ؛ لأنّ الفعل السّاخر يعتمد على المتلقّي لا على الكاتب فقط، فما يعتبر سخرية (على مستوى العبارات وعلى المستوى البنيوي للنصّ أيضاً) بالنسبة إلى فئة معيّنة قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى فئة  أخرى.

ساعدتنا الأبحاث المذكورة سابقاً في تحديد هيكليّة البحث من تحديد للأنماط اللّغويّة المستخدمة في السخرية ومن تحليل علامات الترقيم سيميائيّاً استناداً إلى هذه الأنماط، وقد اعتمدنا نظريّة السيميائيّة السوسوريّة والنظريّة السيميائيّة السرديّة في التحليل.

  1. السخرية في الكتابة العربية

جاء في معجم لسان العرب: سخِر منه وبه سخْراً وسَخَراً ومَسخَراً وسُخراً…وسُخْرية: هزئ به. ويروى بيت أعشى باهلة على وجهين:

إنّي أتَتْني لسانٌ، لا أسِرُّ بها،    من عَلْوَ، لا عَجَبٌ منها ولا سُخْرُ

ويروى: ولا سَخَرُ (ابن منظور، لسان العرب، مادة سَخَر، ص 352)

ويعطي المعجم الوسيط (2005، ص 437) التعريف نفسه للسخرية مع الاستدلال بآية قرآنيّة: “قال إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم”. أمّا معجم المعاني فيضيف إلى الهزء التهكّم والاحتقار: سخر من منافسه: هزئ به، ولذعه بكلام تهكّميّ، احتقره سخر من الآخرين. ويعرّف هذا المعجم التهكّم في علم البلاغة كالتالي: لون من ألوان البديع يعبّر فيه بعبارة يقصد منها ضدّ معناها للتهكّم، كأن يؤتى فيه بلفظ البشارة في موقع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء. ويعرّف المعجم الشامل في علوم اللّغة العربيّة ومصطلحاتها التهكّم نفس التعريف )إسبر؛ جنيدي، 1981، ص 367-368).

إنّ هذا الأسلوب البلاغيّ هو الأكثر شيوعاً في النصوص الساخرة إضافةً إلى أسلوب التضمين، وتعريفه في علم البديع هو: استعارة الشاعر شطراً أو بيتاً من غيرة أو آية قرآنيّة أو حديثاً نبوياً، الخ في شعره، ونرى هذا الأسلوب في العديد من النصوص العربية الساخرة التي يدخل فيها الكاتب آيةً قرآنيّة أو أمثلة شعبيّة، الخ. مع إحداث تغيير فيها أو في سياق له ضدّ المعنى، فبإمكاننا تسمية الأسلوب في هذه الحالة “التضمين التهكّميّ”، وهذا التضمين يستخدم عبارات أو قصصاً معروفة لدى القرّاء ومعروف عدم انتسابها للكاتب (كاستخدام قصّة آدم وحوّاء وقضمهم للتفاحة مثلاً).

من مرادفات السخرية الهزل، ويعرّفه معجم الشامل في علوم اللّغة ومصطلحاتها: الهزل الذي يراد به الجدّ من البديع وهو أن ينتقل المتكلّم من معرض الجدّ إلى معرض الهزل بقصد تأكيد هذا الجدّ. (إسبر؛ جنيدي،1981 ص 998)

أمّا الأدب السّاخر، فهو كوميديا سوداء تعكس أوجاع المواطن السّياسيّة والاجتماعيّة ويقدّمها الكاتب بقالب ساخر يجمع بين الجدّ والهزل[4].

للنّصوص السّاخرة أربعة أنواع في التراث العربي (سدان،2007):

  1. النص المسجوع، وجمله قصيرة نسبيّاً مع وجود قوافي في نهاية كلّ جملة، وهذا النوع من النّصوص نادر في الأدب الحديث؛
  2. النصّ غير المسجوع لكنّه مجزّأ إلى جمل قصيرة، وهذا النوع من النّصوص منتشر في النصّوص الساخرة الحديثة ويتميّز به بعض الكتّاب عن غيرهم؛
  3. النصّ الذي فيه مبالغة، وفي أغلب الأحيان مبالغة وصفيّة لمكان، حدث أو شخصيّة معيّنة، والنصّ الذي يحوي مبالغة وصفيّة قديم، كما ويستخدم في زماننا في الرّوايات السّاخرة.
  4. ونضيف إلى الأنواع السّابقة النصّ المخلوط بين الفصحى والعاميّة، وهو أيضاً منتشر بين كتّاب الأدب السّاخر كما في المقالات السّاخرة.
  1. الأنماط اللّغويّة في الأدب العربيّ الساخر المعاصر

بالإضافة إلى التهكّم (استخدام الكلمة بمعنى غير مباشر مناقض لها) والتضمين، هناك مؤشّرات أخرى تدل على السخرية في الأدب العربي هي استخدام الكلمة ونقيضها في جملة واحدة، التصوير الحسّي مع وصف حركات الجسد والابتسامة والضحك، الخ. كما هناك مؤشّرات بلاغيّة أخرى كالتشبيه والمجاز والمجاز المرسل والمبالغة الوصفيّة، عدا عن السبّ والتهجين. وهناك أيضاً أسلوب التسلسل الحواري للوصول إلى دلالة واحدة تشكّل موضوع السّخرية الرئيسيّ.

  • التشبيه: في البلاغة هو عقد مقارنة بين أمرين أو شيئين،اشتركا في صفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر، مع وجود أداة للتشبيه.
  • المجاز (الاستعارة): هو مجاز علاقته التشبيه، أو تشبيه حذف إحدى طرفيه من مشبّه أو مشبّه به. (إسبر؛جنيدي، 1981، ص 89)
  • الاستعارة التمثيليّة: وهي استعارة مثل ليس المقصود به المعنى المباشر الذي فيه بل المعنى الملازم للمناسبة الذّي قيل فيها هذا المثل، مثلاً “ضرب الحديد وهو بارد” لمن يحاول في شيء مستحيل (المرجع السابق ص 355).
  • المجاز المرسل: هو الكلمة التّي تستعمل لمعنىً غير ما وضعت له في الحقيقة لوجود علاقة أو قرينة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي غير التشبيه (المرجع السابق ص 808).
  • المبالغة الوصفيّة: المبالغة في علم البديع هي أن يعطي القائل معنى ويزيد فيه عن الحقيقة مع بقاء هذه الزّيادة في حد الممكن القريب (المرجع السابق ص 782). والأدب الساخر يستعمل أسلوب “الغلوّ” وهو نوع من أنواع المبالغة وهو وصف الشّيء والزّيادة في وصفه إلى درجة المستحيل وقوعه عقلاً وعادةً فهو زيادة في المبالغة.
  • التعريض: وهو استخدام لفظ للتلويح إلى غرض آخر هو المقصود وعلى القارئ اكتشاف هذا الغرض الآخر (ديشي، 2007). ويسمّي جوزيف ديشي هذا النمط “خطاب الصياغة غير المباشرة” rhetoric of indirect wording (ديشي، 2007، ص 323).

قد تكون بعض علامات الترقيم مرفقة بإحدى هذه الأساليب بشكل بديهيّ فلا تلعب علامة الترقيم دوراً ساخراً (كالشرطة والحوار الساخر مثلاً)، وقد تكون علامات الترقيم  مرافقة لتلك الأنماط ويكون لها دور يؤكّد على السخرية، وقد تستخدم علامات الترقيم وحدها كمؤّشر ساخر دون استخدام الكاتب لمؤشّرات لغويّة أخرى للسخرية، وهنا تكمن أهميّة التحليل السيميائي لتلك العلامات.

  1. الآليّة المستخدمة للتحليل السيميائي لعلامات الترقيم

يرى التحليل السيميائيّ علامات الترقيم على أنّها إشارات مرئيّة لها قيمة لغويّة، فهذا التحليل عبارة عن تحليل للصّورة أو الرمز الذّي هو علامة الترقيم، وتحليل للقيمة اللّغويّة وراء هذا الرّمز (تحليل لغويّ). فعلامات الترقيم (كرمز أو كشكل) معروفة للقارئ العربي ولكلّ رمز دلالة لغويّة أو وقفيّة مسبقة لديه، وهناك بعض العلامات التي لها دلالة ساخرة لدى القارئ من مثل علامة التعجّب، علامة الاستفهام أو نقاط الحذف، وعلامات أخرى تستخدم في النصوص الساخرة ولها دلالات ساخرة في سياق النص المستخدم، ولكنّها دلالات جديدة للقارئ ومختلفة عن الدلالات الموجودة مسبقاً في ذهنه. إنّ التحليل الذي نقدّمه مفيد لهذه المجموعة الثانية من العلامات التي لا تعتبر ضمن علامات السخرية لكنّ بعض الكتّاب يستخدمونها بكثافة، حتّى إنّهم لا يستخدمون غيرها في بعض الأعمال، لترقيم نصّهم السّاخر. ويوضّح الرّسم التالي آليّة التحليل:

“تسخير” علامات الترقيم “المحايدة”[5]

فالتحليل الذي نقدّمه عن علامات الترقيم في النّصوص السّاخرة ينطلق من اعتبار علامات الترقيم بمثابة إشارات للتواصل (التفاعل) بين الكاتب السّاخر والقارئ. فالنّصوص الساخرة ليست “نكتاً” أو كلمات مضحكة بحدّ ذاتها، بل هي وسيلة نقد اجتماعي يستخدم الوصف، أو تسلسل كلمات وجمل مرتبطة بعضها ببعض بعلاقات دلاليّة (سيمانطيقيّة) معيّنة  تعطي بمجملها انطباعا ساخراً. فالتحليل يبدأ هنا على اعتبار علامات الترقيم إحدى العوامل التّي تهدف إلى إيصال مفهوم السّخرية لدى القارئ، وذلك بغضّ النظر عن الوظائف الأساسيّة لهذه العلامات، فقد تكون لعلامة معيّنة وظيفة نحويّة أو وقفيّة متعارفة لكنّها وضعت بتسلسل وبتكرار معيّن يهدف إلى إعطاء انطباع ساخر عن النّص، أو بعبارة أخرى: ما هو دور علامات الترقيم في بناء المعنى السّاخر للنصّ؟[6]

  1. تقديم المدوّنة

لإعطاء شموليّة على التحليل، اخترنا ثلاثة أعمال ساخرة مرقّمة بشكل مختلف[7]:

– إبراهيم المازني، قبض الرّيح، وهو عبارة عن مجموعة مقالات نقديّة ساخرة للكاتب. الجمل في هذا العمل جمل طويلة ويستعين بها الكاتب  في مواقفه السّاخرة بالعلامات المتعارفة للسخرية كعلامة التعجّب والعلامة المركّبة من علامة الاستفهام وعلامة التعجّب، كما ويستخدم علامات التنصيص ولكن بدلالة مختلفة عن تلك  المتعارفة لعلامات التنصيص في السّخرية (التعبير عن ضدّ أو نقيض الكلمة)، وسوف نحلّل علامات التنصيص في هذا العمل حسب الآلية المذكورة سابقاً.

– أنيس منصور، يوميّات شاب غاضب، هنا يستخدم الكاتب، على غير عادته، علامات أخرى غير النقطة والنقطتين المتجاورتين. فهو يستخدم علامات التعجّب والاستفهام للتعبير عن تهكّم من أقوال وأمثال شائعة.

– توفيق الحكيم، حمار الحكيم، مع مقاربته لكتابات الحكيم غير الساخرة وبالأخص كتاب عودة الوعي.

  1. تحليل العلامات المستخدمة في النصوص المختارة

بعد تحليلنا للمدوّنة، قسّمنا علامات الترقيم في النصوص الساخرة إلى ثلاثة أقسام:

  • العلامات ذات المدلول السّاخر بحدّ ذاتها كعلامة التعجّب وعلامة الاستفهام التعجّبيّ.
  • العلامات المصاحبة لنمط لغويّ ساخر في الجملة، وسوف نعتمد التحليل السيميائي حسب فيردناند دو سوسور لدراسة هذه العلامات.
  • العلامات المصاحبة لأسلوب لغويّ ساخر، وسوف نعدّد لاحقاً الأساليب اللّغويّة الشائعة عند الكتّاب العرب فيما يخصّ السخرية.
  • العلامات التي تربط بين جمل النصّ الساخر، وذلك يكون في الحديث أو المشهد الفردي وفي الحوار السّاخر، وسوف نعتمد لدراستها على التحليل السيميائي السردي حسب جوليان جريماس.

71.. العلامات ذات المدلول السّاخر بحدّ ذاتها (علامة التعجّب، علامة الاستفهام التعجّبيّ)

نقصد بالعلامات ذات المدلول الساخر بحدّ ذاتها علامات الترقيم التي لديها مدلول سخريّ متعارف دون الحاجة إلى اقترانها بلفظ سخريّ أو بنمط ساخر. مثلاً، عندما تضاف علامة التعجّب إلى جملة ليس بها مؤشّر سخرية، تكون هي المؤشّر على سخرية النصّ. مثلاً:

دع هذا إلى أوانه، وعسى أن يكون بعيداً!

والحقّ أقول إنّ الجواب يعييني!

72.. علامات الترقيم المصاحبة لنمط لغويّ ساخر

72.. 1. علامات الترقيم المصاحبة لنمط الاستعارة والتعبير المجازيّ          

72.. 1.1 علامة التعجّب               

فأذهب ألتمس هذا المعنى أو الخاطر فإذا به قد تبخّر!

وقد أبدأ المقال معتمداً شيئاً بعينه فيجري القلم بخلافه!

7.2..1..2 علامات الترقيم المصاحبة لنمط التشبيه

علامات التنصيص

         إذا كانت السخرية في التشبيه، يضع الكاتب علامات التنصيص قبل وبعد المشبّه به، مع ترك أداة التشبيه خارج علامات التنصيص، ويرفق الكاتب علامات التنصيص بعلامة التعجّب:

وما أظنّ بي إلّا أنّ الله، جلّت قدرته، قد خلقني على طراز “عربات الرّش”!

ولقد استخدم الكاتب إبراهيم المازني علامات التنصيص للتذكير بتشبيهه لنفسه بعربة رش:

ولأفتح ثقب هذه “الحنفية” ثمّ فلأنظر ماذا يقطر منها أو يسيل.

التضمين        2.2.7. علامات الترقيم المصاحبة لنمط

1.2.2.7. علامتا التعجّب والاستفهام التعجّبيّ

يلجأ بعض الكتّاب إلى أسلوب التضمين، فيقتبسون قولاً مأثوراً أو حكمة لشخص آخر أو مثلاً شائعاً ويضعونها في مضمون ساخر. وفيما يلي مثل من عمل الكاتب أنيس منصور حيث يلجأ عند استخدامه أسلوب التضمين إلى طريقة الحوار، فيستخدم الشرطة للتغيير في الحوار وينهيه إمّا بعلامة تعجّب، علامة تعجّب واستفهام ونقطة[8] في نهاية كلّ حوار صغير.

-ثابت الخطوة يمشي ملكاً- أمّ كلثوم تقول.

– ثابت الخطوة، ولست ملكاً!.

-الجار قبل الدار.

– وأين هي الدّار؟.

-النبي أوصى بسابع جار؟.

-كثيرون لا يسمعون كلام النبي!.

-الصبر مفتاح الفرج..

-ولكن ما حدود الصبر؟ وما حجم هذا المفتاح؟!.

-كلّ الطرق تؤدّي إلى روما.

-صحيح. ولكن لا طريق يؤدّي إلى المستقبل!.

-السماء لا تمطر ذهباً ولا فضّة..

-ولكنّ السماء نسيتنا منذ وقت طويل!.

2.2.2.7. علامات التنصيص

 تستخدم علامات التنصيص مصاحبةً لنمط التضمين إذا غيّرنا معنى إحدى الكلمات في المثل المقتبس، فنحيط الكلمة ذات الدّلالة المغايرة بعلامات تنصيص. مثلاً، يستخدم الكاتب أنيس منصور علامات التنصيص في الجملة التالية ليس لقول النقيض، بل ليقول إنّ الكلمة التي استخدمها ليست هي ذاتها في المثل الشعبي، بل كلمة أخرى تكتب بالطريقة نفسها (متجانسة لفظيّة homonyme):

-الزواج للبنت “سترة”..

-فإذا كانت السترة بحجم ورقة التوت، فما معنى الزواج؟!.

ففي المثل الشائع “سترة” آتية من الستر، أمّا الكاتب فقد استخدم كلمة “السترة” بمعنى معطف.

3.2.7. الوصف الحسيّ

1.3.2.7 علامة الاستفهام التعجّبيّ

 يستخدم الكاتب هذه العلامة أيضاً في حالة التشبيه والوصف السّاخر سواء كان على صيغة سؤال أم لا:

حتى إذا شعرت بالكظة، وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء وقمت عنه متثاقلاً متثائباً مشفقاً من التّخمة، فلا ينجيني إلّا أن أفتح الثقوب وأسح؟! وهكذا دواليك!

ولكم قلت لنفسي: أهذا الذي ركبه الله لك يا مازني بين كتفيك رأس كرؤوس الناس أم معدة أخرى؟!

2.3.2.7. الشّرطتان

يلجأ الكاتب إلى التصوير الحسّي في حال الوصف السّاخر لنفسه  أو لشخص آخر غير نفسه، فيصف حركاته وجسمه وتعابيره، الخ.، وحين تغيب إحدى العناصر الحسيّة، من سمع أو نظر أو لمس، عن الوصف، يضعها الكاتب بين شرطتين:

أذهب في أوّل كلّ شهر إلى واحد من باعتها فيتقدّم إليّ العامل سائلاً عن حاجتي فأبيّنها له فيرفع رأسه إلى الرّفوف ويدور حول نفسه وهو في مكانه ثمّ يلتفت إليّ وعلى شفتيه –دون عينيه- ابتسامة جهل وغباء، ويهزّ رأسه لي آسفاً.

 

4.7. علامات الترقيم المصاحبة لأسلوب لغويّ ساخر

استنتجنا من تحليلنا للمدوّنة أنّ الأساليب اللّغويّة الساخرة المستخدمة عند الكتّاب العرب تتلخّص في استخدام كلمة ونقيضها في نفس الجملة، تغيير السجلّ اللّغويّ من الفصحى إلى العاميّة، واستخدامه لعبارات تدلّ على إحساسه بالفوقيّة نسبةً إلى القارئ أو إلى شخص يحدّده الكاتب.

استخدام كلمة ونقيضها في جملة واحدة، حيث قد تكون الكلمة الثانية هي ضدّ الكلمة الأولى على المستوى الدلاليّ، أو قد يكون التناقض في البعدين الزماني أو المكاني:

  1. ينهي الكاتب جمله المركّبة بعلامة التعجّب عندما تكمن السخرية فيها بوجود تضاد في المعنى بين فعلين أو اسمين، كما هو الحال في الجزء المسطّر في الجملة التّالية:

قد خلقني على طراز “عربات الرّش”! التي تتخذها مصلحة التنظيم. خزّان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ!

(إنّ وظيفة علامة التعجّب الأولى مقرونة بعلامة التنصيص، وسوف نشرح استخدامها  عند شرح استخدام الكاتب لعلامات التنصيص)

مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب، لأنّي كنت أقرأ!

إنّه يجرّب في عالم المحسوسات بعض ما أعانيه في عالم المعنويات!

وشبيه بهذا أن تريد الذهاب إلى الإسكندرية فتحملك رجلاك إلى قطار يذهب بك إلى السويس!

شأني في ذلك شأن الذّي يسير وهو نائم!

وعجبت لهذا الصاحي الذي له طبيعة ذلك السّكران!

  1. إذا كان هناك فوقيّة في السّخرية، يضع الكاتب ما يدلّ عليها بين شرطتين:

وأخذ ينظر إليه وينغص رأسه المثقل بالعمامة ويبسبس بشفتيه إعجاباً، وسرّ ذلك كلّه أنّه يعتقد –على ما فهم منّي!- أنّ الدكتور لا يكلّم النّاس إلّا يوم الأربعاء!!

في الجملة السابقة، يسخر الكاتب من بساطة الشخص المذكور ومن عدم قدرته على فهم المقصود من كلامه.

فالحبّ – كما لا نحتاج أن نبيّن- هو أداة التنظيم الكبرى لحياة النّاس.

 في الجملة السابقة، يعتبر الكاتب المعلومة التي يدلي بها من البديهيّات، ولكنّه يبيّنها مع الإشارة إلى أنّها من الأمور البديهيّة، وهو بذلك يلمّح بفوقيّة معرفيّة بالنسبة إلى القارئ.

  1. عند استخدام لفظ ينتمي إلى سجلّ لغوي آخر غير الفصحى، نحيط هذا اللّفظ بعلامات تنصيص، كما في علامة التنصيص الأولى في هذه الجملة:

نستأذن القراء الكرام في قليل من الفلسفة. ولهم علينا عهد الله ألّا نعود إلى ذلك. لا لأنّ الفلسفة ممّا يعسر عليهم “هضمها” ولا لأنّ “الصّحف السيّارة لا تصلح لمثل هذا” كما يزعم صديقنا الدكتور طه حسين في مقدّمة كتابه الذي مللته لكثرة ما ذكرته، بل لأنّي لا أحسن هذا الضّرب من الكلام.

أمّا علامة التنصيص الثانية في المثل السابق، فاستخدمها الكاتب لتوظيف عبارة لكاتب آخر في سياق نصّه، وعلامات التنصيص هنا توضّح سخرية الكاتب من عبارة الكاتب الآخر، خاصةً أنّه أتبع علامات التنصيص بفعل القول “يزعم” والذّي يدلّ على عدم الاقتناع .

5.7. العلامات الرّابطة بين جمل النصّ السّاخر

سوف نحلّل هذا القسم من وجهة نظر السيميائيّة السرديّة، وكيف تجتمع الدلالات للوصول إلى دلالة واحدة نهائيّة، فهناك نوع من النصوص الساخرة فيه تسلسل وتتابع بأجزاء النصّ أو الحوار للوصول إلى دلالة واحدة. يستخدم الكتّاب لتحقيق هذا النوع من البنية الدلاليّة علامة ترقيم واحدة، وهي في الغالب النقطة أو النقطتان المتجاورتان. وسوف نحلّل فقرتين من عمل أنيس منصور وتوفيق الحكيم لدراسة البنية الدّلاليّة لنصّ كلّ منهما.

         1.5.7. النقطتان المتجاورتان عند أنيس منصور

يستخدم أنيس منصور النقطتين المتجاورتين ، كلّ مرّة بدلالة مختلفة، للربط بين جمل نصّه، وعندما يصل إلى الدّلالة النّهائيّة المقصودة ينهيها بعلامة تعجّب ونقطة:

ففي كلّ يوم أفسخ باب الغرفة.. فأنا لا أفتحه.. إنّه يتمسّك بعضه ببعض كأنّه لا يريد أن ينفتح.. كأنّه هو الآخر لا يريد لي أن أخرج. وإنّما أبقى وراءه.. وراء هذه المقبرة.. لكي أشعر كلّ يوم بمعجزة الميلاد.. ففي كلّ ليلة أصلّي على نفسي، فقد أموت غداً أو قبل طلوع الفجر.. فإذا صحوت شكرت الله أن أطال في عمري يوماً آخر.. وأمام الباب، وبالضبط عند انفتاحه تنهال على حواسي الخمس فيضانات من الإحساسات.. إنّها لا تدخل حواسي وإنّما تغتصبها.. تقتحمها بالقوّة.. كأنّ حواسي مثل هذا الباب.. لا بدّ من فسخها عند الدخول وعند الخروج أيضاً.. وكأنّ فضيحة.. وكأنّ عاراً كونيّاً يبدأ من هذه اللّحظة.. وكلّ عناصر الدنيا تتعاون على ستر هذه الفضيحة.. فضيحة أنّ واحداً مثلي شاهد على العصر الذّي نريده ولا يريدنا!.

في هذا المقطع السابق من الكتاب،  للنقطتين المتجاورتين عدّة دلالات، فهذه العلامة تفصل بين جملتين قصيرتين فيهما ترادف في الفعل الرئيسي، أو لتبيان دلالة حرف الغائب المتّصل، أو توضّح استعارة الاصطلاح الديني “معجزة الميلاد”، أو لوصف الفيضانات من الإحساسات، وتسلسل الجمل القصيرة مع ربطها بهذه العلامة (النقطتان المتجاورتان) ينتهي بالدلالة أو الرسالة التي يرمي إليها الكاتب والموجودة في آخر جملة مع علامة تعجّب. وما يلي تفصيل للدّلالات التّي تربط بينها النقطتان المتجاورتان للوصول إلى الدّلالة النّهائيّة:

الدلالة الأولى: الفصل بين المترادفتين “أفسخ” و”أفتح”، مع التأكيد على دلالة الإجبار في المرادفة الأولى.

الدلالة الثانية: تقديم لوصف الباب والوصف يؤكّد على وجوب استخدام الفعل “أفسخ”.

الدلالة الثالثة: دلالة سببيّة توضّح جملة “لا يريد أن ينفتح”.

الدلالة الرابعة: تقديم لوصف ما وراء الباب.

الدلالات الخامسة، السادسة والسابعة: تغيّر المقصود وراء الدلالة، فالكاتب الآن يتحدّث عن وجوده.

الدلالات الثامنة، التاسعة، العاشرة والحادية عشرة: علاقة الكاتب وأحاسيسه بالباب وعلاقة الشبه بين الاثنين: الإجبار والاقتحام بالقوّة.

الدلالات الثانية عشرة، الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: تقديم لوصف الدلالة النهائيّة (بأنّها فضيحة).

الدلالة الخامسة عشرة: تقديم الدلالة النهائية المقصودة: العصر الذّي نريده ولا يريدنا، وإنهائها بعلامة تعجّب ونقطة.

         2.5.7. النّقطتان المتجاورتان عند توفيق الحكيم

في روايته السّاخرة “حمار الحكيم”، يستخدم الكاتب النقطتين للفصل بين جمل فقراته، ولكنّ أسلوب توفيق الحكيم مختلف عن أسلوب أنيس منصور، حيث إنّ  توفيق الحكيم يستخدم الأسلوب الوصفيّ في روايته، وما يلي مقطع من بداية روايته يصف فيه الحكيم النّهار والمكان للوصول إلى لحظة التقائه بالحمار (الدّلالة النّهائيّة العامّة):

عرفته في يوم من أيّام الصّيف الماضي.. في قلب القاهرة.. وفي شارع من أفخم شوارعها.. كنت أسير في ذلك الصّباح إلى حانوت  حلّاقي.. وكان الهواء حاراً ممزوجاً بنسيم لطيف.. وكان صدري منشرحاً، فقد صادفت وجهاً مليحاً، لغادة شقراء هبطت معي بكلبها في مصعد الفندق الذي اتخذته منزلاً. مشيت وأنا أكاد أصفّر بفمي وأترنّم. وأشرفت على حانوت الحلّاق.. وإذا أنا أراه.. أرى ذلك الذي كتب أن يكون صديقي.. رأيته يخطر على الإفريز كأنّه غزال، وفي عنقه الجميل رباط أحمر وإلى جانبه صاحبه: رجل قرويّ من أجلاف الفلّاحين.. ووقف المّارة ينظرون إليه ويحدّقون، وبجمال منظره ورشاقة خطاه يعجبون.. لقد كان صغير الحجم كأنّه دمية.. أبيض كأنّه قُدّ من رخام، بديع التكوين كأنّه صنع من فنّان.. وكان يمشي مطرقاً في إذعان، كأنّما يقول لصاحبه: اذهب بي إلى حيث شئت فكلّ ما في الأرض لا يستحقّ من رأسي عناء الالتفات..

ذلك هو “الجحش” الصّغير الذي استرعى أنظار الناس في ذلك الشّارع الكبير.. ومنظر الجحش في مثل هذا الحيّ (…)

في المقطع السابق، يربط الحكيم كلّ العوامل المرتبطة بلقائه الأوّل بالحمار بنقطتين متجاورتين. فالجملة الوحيدة التي لا تحوي نقطتين متجاورتين هي عند وصف لقائه بالفتاة الشقراء، وهي الجملة التي ليس لها علاقة بالدّلالة النهائيّة المقصودة. وتسلسل الوقت وتقطيعه إلى أجزاء صغيرة باستخدام علامة ترقيم واحدة أساسيّة يجعل النصّ كأنّه عبارة عن مشهد تمثيلي، حيث إنّ هذا الأسلوب في الترقيم يضيف نوعاً من التشويق على النصّ ويشوّق القارئ للوصول إلى الدلالة النهائيّة. وترقيم الحكيم لنصوصه غير الساخرة مختلف، حيث  إنّه يرقّم  كتبه غير السّاخرة بالطريقة التقليديّة المتعارفة . وما يلي فقرة من كتابه “عودة الوعي” لتبيان ذلك:

وفي الصباح الباكر نهضت وأدرت جهاز الراديو كما أفعل كلّ صباح. ولكنّي سمعت شيئاً غريباً لم يسبق لي سماع مثله. إنّه بيان من الجيش يعلن قيامه لإصلاح الفاسد من أمر البلاد، وأنّه تقدّم بمطالب إلى القصر الملكي لإقصاء الحاشية الفاسدة. كلمات بهذا المعنى تلقّيتها طبعاً بابتهاج ، وإن كنت لم أقدّر لها من الأبعاد أكثر ممّا تحتمل. فما من أحد في البلاد، في ذلك الوقت، لم يشعر بالسخط والاشمئزاز لسلوك الملك الشخصي وتصرّفه العام. فقد كان لا يخجل من الظهور في كلّ مكان بين حاشيته من القوّادين المبتذلين ولم يقف بهم عند حدود حياته الخاصة اللاهية العابثة، بل تركهم يتدخلون ويؤثرون في شؤون الدّولة. ولقد حاول بعض النصحاء أن ينبّهوه إلى خطورة ذلك وسوء عاقبته، فلم يلتفت إلى نصح. بل لقد رفع إلى أعتابه، رجاءً بتطهير قصره من مثل هذه الحاشية، في عريضة رسميّة موقّع عليها من بعض رجال السياسة، فغضب منهم ولم يأبه لهم. واستمر كلّ شيء في طريقه المعهود.لذلك لم أشعر عند سماعي بيان الجيش بأنّ شيئاً خطيراً سوف يحدث. إنّه مجرّد احتجاج ككلّ احتجاج.

  1. خاتمة

 ليس الهدف من النص السّاخر الإضحاك، بل التأثير، وهو يستخدم كلمات وعبارات ليست، في أغلبها، مضحكة بحدّ ذاتها ولكن يقصد منها معنىً غير المعنى الحقيقي للكلمة، فالنصّ الساخر مليء بالمعاني المبطّنة. ونرى أنّ لعلامات الترقيم (ذات الأثر السّاخر) في النصّ الساخر دورين: فهي أولّاً، على غرار الكلمة، وظّفت بطريقة مختلفة عن وظيفتها المباشرة، ولذلك تصبح لها دلالة تضمينيّة في السّياق السّاخر، وثانياً، هي تساهم في البنية السّاخرة للنصّ وتقوّي بذلك الأثر الساخر للنصّ من خلال تقطيعها للنّصوص وحصرها لبعض الكلمات والعبارات (باستخدام الشرطتين أو علامات التنصيص)، من خلال ربطها للعبارات بتسلسل محدّد يخدم الطبيعة السّاخرة للنصّ.

إنّ تطبيق آليّة التحليل السيميائي والتحليل السيميائي السّردي على هذا النوع من النّصوص هو ما يبيّن لنا الدلالة التضمينيّة ويوضّح لنا الأبعاد الدلاليّة لعلامات الترقيم المستخدمة في السّياق.

          المراجع

كتب ومقالات

ابن منظور أ. (ت. 711ه- 1311م)، لسان العرب، الجزء الرّابع (مادة سخر)، دار صادر، بيروت.

إسبر م.؛ جنيدي ب.، 1981، الشامل في علوم اللّغة العربيّة ومصطلحاتها، الطبعة الأولى، دار العودة، بيروت.

توسان ب.؛ ترجمة نظيف م.، 2000، ما هي السيميولوجيا، الطبعة الثانية، منشورات أفريقيا الشرق، بيروت.

إيكو أ، ترجمة أحمد الصمعي، 2005، السيميائيّة وفلسفة اللّغة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت.

بحث التشكيل البصري في قصيدة ماجد الغضبان، كليّة التربية، قسم اللّغة العربيّة، جامعة المثنى

https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/300628.html، تاريخ الزيارة: 4 نيسان 2017.

بلاوي ر.؛ خضري ع؛ آبكون آ.، جماليّات الأساليب الأدبيّة في شعر عدنان الصائغ، مجلّة دراسات في اللّغة العربيّة وآدابها، العدد الواحد والعشرون، 2015، ص 27- 48.

http://www.ensani.ir/storage/Files/20160501151906-9988-138.pdf، تاريخ الزيارة: 4 نيسان 2017.

الجاحظ أ.، تقديم الزعبي م.، 2016، فلسفة الجدّ والهزل، منشورات الجمل، بيروت- بغداد.

سدان ي.، 2007، الأدب العربي الهازل ونوادر الثقلاء: العاهات والمساوئ الإنسانيّة ومكانتها في الأدب الرّاقي، الطبعة الثانية (الطبعة الأولى 1983)، منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا)- بغداد.

ستالوني أ.؛ ترجمة الزكراوي م.، 2014، الأجناس الأدبيّة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.

العابد ع.م.، 2010، التحليل السيميائي السردي لرواية اللّص والكلاب لنجيب محفوظ

http://www.anfasse.org/2010-12-30-15-40-11/2010-12-30-15-36-49/3918—–q-q—–، تاريخ الزّيارة: 4 أيّار 2016.

العابد ع.م.، سيميائيّات العلامات السّاخرة في الخطاب الرّوائي

http://www.aklaam.net/newaqlam/index.php?option=com_content&view=article&id=1363:2009-10-28-19-19-23&catid=69:2008-10-18-21-02-33&Itemid=112، تاريخ الزّيارة: 28 آذار 2016، 4 أيّار 2016.

عطية ش.؛ حسين أ.، 2005، المعجم الوسيط، الطبعة الثالثة، مجمع اللّغة العربيّة، القاهرة.

مسلماوي م.، 2014، قراءة البياض في شعر عصام عيّاد، منشورات قرّة العين، بغداد.

– Berger, 2004, Semiotic analysis: http://uk.sagepub.com/sites/default/files/upm-binaries/5171_Berger_Final_Pages_Chapter_1.pdf, date of visit: March 28 2016, May 9 2016.

– Colas-Blaise M., 1998, Ponctuation et dynamique discursive : La Modification de Michel Butor,in Defays J. ; Rosier L. ; Tlikin F., A qui appartient la ponctuation ? Actes du colloque international et interdisciplinaire de Li, Duculot, Bruxelles.

– Dichy J., 2007, Indirect speech in Arabic Rhetoric: the figure of ‘indirect intimation’, ta`rīḍ, VIth ISSA conference, Amsterdam, 26-30 June 2006, in: van Emeren; Frans H.; Blair; Anthony J.; Willard; Charles A.& Grasse, Bart, eds, Proceedings of the Sixth Conference of the International Society of the Study of Argumentation, Amsterdam: SicSat, vol. 1, pp. 323-330.

– Finlay M., 1988, The Romantic irony of semiotics: Friedrich Scehlgel and the Crisis of presentation, Mouton de Gruyter, Berlin.

– Fonagy I., 1980, Structure sémantique des signes de ponctuation, in Bulletin de la société linguistique de Paris 75, pp. 95-129.

– Ibo L., 2007, Approche comparative de la narratologie et de la sémiotique narrative, in Revue du CAMES- nouvelle série B, vol. 008 N 1, Bouaké- Côte d’Ivoire, pp. 105-117.

– Keršyté N., 2008, Les interactions discursives : entre sémiotique narrative et narratologie, in Synergies Pays riverains de la Baltique, N 5, pp. 85-104.

– Rastier F., 2001, Sémiotique et sciences de la culture, in Linx, 44|2001 : Specifités et histoire du discours sémiotique, mis en ligne le 5 juillet 2012, pp. 149-168.

– Robrieux J., 1998, Les Figures de Style et de Rhétorique, Dunod, Paris.

المدوّنة

الحكيم ت.، 2007، عودة الوعي، دار الشروق، القاهرة.

الحكيم ت.، 2014، حمار الحكيم، الطبعة الخامسة (الطبعة الأولى 1940)، دار الشروق، القاهرة.

المازني أ.، 2009، قبض الريح، دار الشروق، القاهرة.

منصور أ.، 2001، مذكرات شاب غاضب، الطبعة الخامسة (الطبعة الأولى 1989)، دار الشروق، القاهرة.

 أتقدّم بجزيل الشكر لمن قام بتقييم المقال لملاحظاته المهمّة والبنّاءة، كما وأشكر الأستاذ الدكتور حسن إسماعيل لما قدّمه من آراء قيّمة. [1]

[2]يعرّف الكاتب التسخير بأنّه ” الاستناد إلى ذخيرة معرفيّة تقذف بالدّالّ السّخريّ في متاهات التأويل، وسيرورات التّدلال إلى أن نصل إلى تأويل نطمئنّ إليه في النّهاية، هو المؤول السّخري عينه الذّي يقدّمه المؤول النّهائي خصوصاً”.

[3]يعتمد الكاتب في دراسته على رواية “لوسيند” للألماني فريديريك شليغيل. حسب الكاتب، فإنّ هذه الرواية كانت عرضةً للنقد لأنّها لم تتبّع أسلوب التعبير الساخر الشائع وقتها (الأسلوب التمثيلي)، ويرى الباحث أنّ السبب في ذلك هو أنّ السخرية كانت تدرس وتحلّل من منظور بلاغي فقط بمعزل عن السيميائيّة.

[4]في كتب الأجناس الأدبيّة الحديثة، لا نتحدّث عن الأدب السّاخر كجنس أدبي بحدّ ذاته، بل عن أسلوب ساخر، والتعريف الذّي أوردناه هو التعريف الشّائع للأدب السّاخر بهدف عدم خلطه بالنصوص الفكاهيّة. جدير بالذكر أنّه في القرون الوسطى كان هناك أدب عربي هازل أو أدب هزليّ (سدان، 2007، ص 15) اشتهر به الجاحظ على وجه الخصوص. ويعرّف يوسف سدان الهزل بطريقة مشابهة للتعريف الذي أوردناه للأدب السّاخر رغم اختلاف الأساليب اللّغوية لهذا الغرض وقتها: “قد يعكس المزاح والهزل اللذان يمتاز بهما كلّ مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة المشاكل التي يقاسيها ذلك المجتمع، إذ أنّ الهزل ليس إلّا وسيلة للترويح عن أفراد المجتمع ممّا يكايدونه.” (سدان، 2007، ص 51).

[5]نقصد بعلامات الترقيم المحايدة تلك التّي لا تضيف انطباعاً عن الكلام الموجود في النصّ كالنقطة والفاصلة، فهذه العلامات، على عكس العلامات الانفعالية كعلامة التعجّب التي تعبّر عن التعجّب، السّخرية أو الاستياء وعلامة الاستفهام التي قد تعبّر عن عدم الفهم أو الاستغراب. ووضعنا كلمتي تسخير ومحايدة بين علامات تنصيص لنقول  إنّ هذه الصّفات ليست صفات مطلقة وتتغيّر حسب طبيعة النصّ المستخدم، فعلامة الترقيم المحايدة قد تصبح انفعالية حسب طبيعة النصّ والعكس بالعكس.

[6]مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هناك أدباء ساخرين لا يلجئون إلى علامات الترقيم لإرسال دلالات ساخرة أمثال الكاتب اللّبناني السّاخر مارون عبّود الذّي يرقّم كتاباته حسب الوظائف المتعارفة لعلامات التّرقيم كما أنّه لا يبالغ في استخدامها كما هو الحال مع الكتّاب  الساخرين الذين يكثرون من استخدام علامات الترقيم.

[7]لقد حصرنا التحليل بأعمال كتّاب مصريّين يوظّفون علامات الترقيم في السّخرية، وذلك بهدف توضيح آليّة التحليل.

[8]إنّ استخدام النّقطة بعد علامة الاستفهام أو التعجّب في نهاية جملة استفهاميّة أو تعجبيّة هو شائع عند بعض الكتّاب المصريّين كأنيس منصور ونوال السّعداوي، وليس للنقطة في هذه الجمل مدلول ساخر.

Leave A Reply